مركز الثقافة والمعارف القرآنية

67

علوم القرآن عند المفسرين

هذا هو المعروف من أقوالهم في معنى المحكم والمتشابه وتمييز مواردها ، وقد عرفت ما فيها ، وعرفت أيضا أن الذي يظهر من الآية على ظهورها وسطوع نورها خلاف ذلك كله ، وأن الذي تعطيه الآية في معنى المتشابه : أن تكون الآية مع حفظ كونها آية دالة على معنى مريب مردد لا من جهة اللفظ بحيث تعالجه الطرق المألوفة عند أهل اللسان ، كإرجاع العام والمطلق إلى المخصص والمقيد ونحو ذلك ، بل من جهة كون معناها غير ملائم لمعنى آية أخرى محكمة - لا ريب فيه - تبين حال المتشابهة . ومن المعلوم أن معنى آية من الآيات لا يكون على هذا الوصف إلا مع كون ما يتبع من المعنى مألوفا مأنوسا عند الأفهام العامية ، تسرع الأذهان الساذجة إلى تصديقه ، أو يكون ما يرام من تأويل الآية أقرب إلى قبول هذه الأفهام الضعيفة الإدراك والتعقل . وأنت إذا تتبعت البدع والأهواء والمذاهب الفاسدة التي انحرفت فيها الفرق الإسلامية عن الحق القويم بعد زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله ، سواء كان في المعارف أو في الأحكام ، وجدت أكثر مواردها من اتباع المتشابه ، والتأويل في الآيات بما لا يرتضيه اللّه سبحانه . ففرقة تتمسك من القرآن بآيات للتجسيم ، وأخرى للجبر ، وأخرى للتفويض وأخرى لعثرة الأنبياء ، وأخرى للتنزيه المحض بنفي الصفات ، وأخرى للتشبيه الخالص وزيادة الصفات ، إلى غير ذلك ، كل ذلك للأخذ بالمتشابه من غير إرجاعه إلى المحكم الحاكم فيه . وطائفة ذكرت : أن الأحكام الدينية إنما شرعت لتكون طريقا إلى الوصول ، فلو كان هناك طريق أقرب منها كان سلوكه متعينا لمن ركبه ، فإنما المطلوب هو الوصول بأي طريق اتفق وتيسر ، وأخرى قالت : إن التكليف إنما هو لبلوغ الكمال ، ولا معنى لبقائه بعد الكمال بتحقق الوصول فلا تكليف لكامل . وقد كانت الأحكام والفرائض والحدود وسائر السياسات الإسلامية قائمة ومقامة في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لا يشذ منها شاذ ، ثم لم تزل بعد ارتحاله صلّى اللّه عليه وآله تنقص وتسقط حكما فحكما ، يوما فيوما بيد الحكومات الإسلامية ، ولم يبطل حكم أو حد إلا واعتذر المبطلون : أن الدين إنما شرع لصلاح الدنيا وإصلاح الناس ، وما أحدثوه أصلح لحال الناس اليوم ، حتى آل الأمر إلى ما يقال : إن الفرض الوحيد من شرايع الدين اصلاح الدنيا باجرائها ،